فصل: مسألة أمة بين ثلاثة نفر وطئها كل منهم وهو لا يعلم فولدت منهم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة أمة بين ثلاثة نفر وطئها كل منهم وهو لا يعلم فولدت منهم:

وقال سحنون في أمة بين ثلاثة نفر وطئها الأول، فولدت منه وهو لا يعلم، ثم وطئها الثاني، فولدت منه وهو لا يعلم، ثم وطئها الثالث وهو لا يعلم، فولدت منه، فإن السيد الأول لما وطئ ضمن القيمة لهذين، وصارت أم ولد له فإنما وطئ هذا أم ولده، فإنهم يتقاصون بالقيمة، ويرجع بعضهم على بعض، فإن كانت قيمة أم الولد أكثر من قيمة الأولاد رجعوا عليه بما بقي، وإن كان قيمة الأولاد أكثر من قيمة أم الولد رجع عليهم بما بقي، وهذا إذا كان موسرا.
وأما إن كان معدما عتق عليه ثلثه في الأمة، ويصير عليه قيمة ثلثي ولده لهذين، فإذا وطئ الثاني أيضا عتق عليه ثلثه في الأمة، وإنما وطئ ثلثا حرا وثلثين رقيقا، فيصير ثلث قيمة ولده للثالث، وإذا وطئ الثالث أيضا، عتق نصيبه في الأمة، فلا يكون لواحد منهما على الثالث في ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان الأول موسرا، فالحكم على ما قال لا أعرف فيه نص خلاف، إلا أن الخلاف يدخل فيه بالمعنى، فيقال: إنه يكون على الأول قيمة ثلثي ولده لشريكيه مع قيمة ثلثي الأمة لهما إذا قررنا أن الحمل سبق وجوب القيمة حسبما مضى القول فيه في أول النوازل، وقد يقال أيضا: إنها تعتق عليهم كلهم، ولا تُقَوَّم على الأول إذ قد فات ذلك فيها كالعبد بين الشريكين يعتق أحدهما جميعه، وهو موسر ثم يعتق الآخر، فقيل: إنه يعتق على الأول، ولا عتق للثاني فيه، وقيل: إنه ينفذ عتق الثاني ولا يقوم على الأول، ويقال أيضا: إنه يكون على الثاني للأول قيمة ثلث ولده على أنه ولد أم ولد، وللثالث قيمة ثلث ولده على أنه ولد أمة؛ إذ لم يكن وطؤه وإيلاده إلا قبل الحكم على الأول بالتقويم، فإنما وطئ أمة له ثلثها، وثلثها أم ولد للأول، وثلثها رق للثالث، ويكون على الثالث على هذا القياس قيمة ثلث ولده للأول على أنه ولد أم ولد، وقيمة ثلث ولده للثاني على أنه ولد أم ولد أيضا؛ إذ لم يكن وطؤه إلا بعد أن صار حظ كل واحد منهما أم ولد به بإيلاده إياها، وأما إذا كان الأول معدما فقوله: إنه يعتق ثلثه في الأمة، ويكون عليه ثلثا قيمة ولده للآخرين صحيح؛ لأنه لما لم تقوم عليه الأمة لعدمه، وبقي ثلثاها ملكا لشريكيه، وجب عليه لهما ثلثا قيمة ولده، وهو قول ابن القاسم، وفي كتاب محمد بن المواز أنه لا شيء عليه لشريكيه إذ قد أفاتا نصيبهما بالإيلاد من الأمة، وقد مضى هذا في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى، وقوله: إن الثاني يعتق عليه ثلثه في الأمة ويكون عليه قيمة ثلث ولده للثالث، ولا يكون عليه للأول شيء؛ لأنه وطئ ثلثا حرا فيه نظر، إذ لم يطأ إلا قبل أن يحكم على الأول بعتق نصيبه، وقد قيل: إنه لا يعتق عليه، فكان القياس أن يكون عليه للأول قيمة ثلث ولده على أنه ولد أم ولد، وكذلك كان القياس أن يكون على الثالث قيمة ثلثي ولده للأول، والثاني على أنه ولد أم ولد، ولو وطئها الثاني والثالث، وهما يعلمان أن الأول قد وطئها وأولدها لوجب أن تكون أم ولد له من غير غرم يكون عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة جارية لثلاثة إخوة تسور عليها أحدهم فوطئها فأولدها ولم يقر بولدها:

قيل لسحنون: فلو أن جارية لثلاثة إخوة تسور عليها أحدهم فوطئها فأولدها، ولم يقر بولدها، فأقام بذلك زمانا، ثم تسور عليها أيضا أحد الأخوين فأولدها، ثم أقرا جميعا بالوطء وبالولدين، هل تكون أم ولد للأول، ويعطي إخوته ثلثي قيمتها إذا كان يوم وطئها موسرا؟ وهل يعتق عليهما ويعطى الآخر ثلث القيمة؟ قال: تكون أم ولد للأول، وعليه ثلثا قيمتها يوم وطئها لأخويه، وعلى أخيه الثاني الذي أولدها قيمة ولده على أنه ولد أم ولد لأخيه الأول، وفيها قول غير هذا لأصحابنا، وهذا أعدل إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها تكون أم ولد، ويكون عليه ثلثا قيمتها يوم وطئها لإخوته هو مثل ما تقدم من قوله في المسألة التي قبل هذه، وكذلك قوله: وعلى أخيه الثاني الذي أولدها قيمة ولده على أنه ولد أم ولد لأخيه الأول هو مثل قوله في المسألة التي قبل هذه أيضا، وقد ذكرنا ما يدخل من الاختلاف في ذلك كله بالمعنى، وإليه أشار والله أعلم بقوله: وفيها قول غير هذا لأصحابنا، والله أعلم.

.مسألة أمة بين رجلين ولدت ولدين مفترقين بطنا بعد بطن:

قيل لعبد الملك بن الماجشون: ما تقول في أمة بين رجلين ولدت ولدين مفترقين بطنا بعد بطن، أو في بطن واحد، فقال أحدهما لأحد الولدين: هذا ابني، وقال الآخر للآخر من الولدين: هذا ابني، فقال: انظر إلى الذي استلحق الأكبر من الولدين فألحقه به، وألزمه نصف قيمة الجارية، واجعل الآخر كأنما أصابها، وقد ولدت من شريكه فولدت من الآخر بشبهة، فالولد ولده يلحق به، وعليه قيمته لشريكه الواطئ أولا، ولهذا الآخر على الأول نصف قيمة الجارية، ويترادان الفضل بينهما، وهذا إذا كانا في بطن بعد بطن، فأما إذا كانا في بطن واحد، فاجعلهما كأنهما ولدا واحد ادعاه رجلان سيدا أمة فتنظر إليهما القافة، ولا يلحقانه أبدا إلا برجل واحد.
قلت: فإن ألحقت القافة كل واحد من المتداعيين من ادعى واستلاط؟ قال: هو مثل ما لو قالا في واحد: إنه ابنهما جميعا لم يكن أبدا حتى يلحق بواحد دون واحد، فكذلك الابنان في بطن واحد لا يلحقان أبدا إلا بواحد من السيدين.
قال محمد بن رشد: قوله: فالولد ولده يلحق به، وعليه قيمته لشريكه، يريد قيمته على الرجاء والخوف، على أنه ولد أم ولد على معنى ما في المدونة، وفي المسائل التي فوق هذا ولو لم يقوم حتى مات المدعي الأول لم يكن على الثاني فيه قيمة؛ لأنه يعتق بعتق أمه، وهي أم ولد الميت تعتق بموته وقوله: إن الولدين في بطن واحد كالولد الواحد لا تلحقه القافة أبدا إلا برجل واحد نص جلي في أن الاشتراك في الولد الواحد لا يصح، ولا يعمل قول القافة فيه، ويقال لهم: ألحقوه بأنضجهما به شبها على ما حكى ابن حبيب عنه، وعن مطرف وابن نافع، فإن لم يكن على هذا القول أحدهما أكثر شبها به من صاحبه لم يحكم عليه بأنه ابن لهما، ولا كان له أن يوالي واحدا منهما، فإن مات ورثاه جميعا بالدعوى كالمدعيين في المال، وهو بأيديهما ولا بينة لواحد منهما، وإن مات أحدهما أو ماتا جميعا، لم يكن له ميراث من واحد منهما إذ لا يدرى هل هو ابنه أم لا، ولا يورث أحد من أحد بشك، وقيل: إنه يأخذ نصف ميراثه من كل واحد منهما؛ لأن المنازعة تحصل فيه بينه وبين الورثة بقوله: هو لي لأني ابنه، وبقول الورثة: هو لنا لأنك لست بابن له، فيقسم بينهما نصفين، والأول أظهر.
ووجه هذا القول إنكار عمر بن الخطاب على القافة قولهم: إنهما اشتركا في الولد وضربهم بالدرة على ذلك، وهذا هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: أن الاشتراك في الولد الواحد لا يصح، إلا أنه يقول: إن القافة إذا قالت: اشتركا فيه قيل له: وال أيهما شئت اتباعا، لما جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك، فإن مات قبل أن يبلغ حد الموالاة أو ماتا هما، أو أحدهما كان الحكم في ذلك على ما تقدم، وقد قيل: إنه يصح أن يكون علوق المرأة بالولد الواحد من الرجال العدة، فعلى هذا القول إذا قالت القافة: اشتركا فيه كان ابنا لهما جميعا، ولم يوال واحدا منهما، وورث كل واحد منهما منه نصف ميراث أب، ويرث هو من كل واحد منهما نصف ميراث ابن.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يدل على هذا، فيلزم على قياس هذا القول إذا أتت بولدين في بطن واحد، وقد كانا وطآها في طهر واحد، فألحقت القافة بكل واحد منهما واحدا منهما بعينه لحق به؛ لأنه إذا جاز أن يشترك الرجلان في الولد الواحد كان أجوز أن يشتركا فيما في البطن الواحد فيكون لكل واحد منهما واحد منهما بعينه، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يطأ جارية ابنه ثم وطئها الابن بعد ذلك:

قيل لعبد الملك: ما تقول في الرجل يطأ جارية ابنه، ثم وطئها الابن بعد ذلك، قال: إذا أصابها الابن بعد الأب، فقد سقطت القيمة عن الأب، وتباع فيُعطى الابن ثمنها بالغا ما بلغ، أقل من القيمة كان أو أكثر، قال أصبغ: لا يعجبني، ولكن تقوم على كل واحد منهما يوم وطئها إن اختلفت القيم، وتباع على الواطئ حين تحول، ثم يتحاسبان على ذلك، فمن كان له الفضل أخذه، ومن كان عليه النقصان أداه، وتباع ولا تقر عندهما؛ لأن القيمة الأولى لزمت الأب بالوطء.
قيل لعبد الملك: فلو حملت وقد أصاباها جميعا في طهر واحد؟ قال: تدعى لها القافة، فإن ألحقته بالابن عتقت عليه الجارية، وكان الولد له، قال أصبغ مثله، قال عبد الملك: وإن ألحقته بالأول، وهو الأب فالولد له، والأمة منه بالقيمة إن كان المتعدي فيها، وليست له، وإن كان الذي هي له فالولد له، وله القيمة على ابنه بإتلافها عليه وبطلانها كقتله إياها لو قتلها، وإن ألحقته بالثاني فالولد له، وينظر فإن كان الابن الذي هو مالكها تحاسبا بالقيمتين، وإن كان هو الأب المتعدي غرم قيمتها للابن على كل حال بفساده إياها.
قال محمد بن رشد: أما إذا وطئ الأب جارية ابنه، ثم وطئها الابن بعد ذلك فقول ابن الماجشون صحيح إن كان الابن قد وطئ جاريته قبل أن يطأها الأب، وقول أصبغ صحيح إن كان الأب لم يطأها قبل ذلك؛ لأن الأب إذا وطئ جارية ابنه بعد أن وطئها الابن، فمن حق الابن أن يقومها عليه؛ لأنه حرمها عليه، فإن قومها عليه بيعت عليه، إذ لا يؤتمن عليها من أجل أنه وطئها وهي حرمة له بوطء ابنه إياها، وإن أراد الابن أن يتمسك بجاريته للاستخدام والخدمة، ولا يقومها على أبيه فذلك له، فإذا وطئ الأب جارية ابنه، وقد وطئها الابن، ثم وطئها الابن بعد أن وطئها أبوه، وكان وطؤه إياها رضى منه بترك تضمين أبيه، ووجب أن تباع عليه إذ لا يؤتمن عليها من أجل أنه قد وطئها، وهي حرمة له بوطء أبيه إياها كما قال ابن الماجشون، وذلك إذا وطئ الأب جارية ابنه قبل أن يطأها الابن، فقد وجب أن تقوم على الأب شاء أو أبى، ولا خيار في ذلك لواحد منهما، وإن رضيا جميعا بترك تقويمها على الأب لم يجز ذلك؛ لأن الأمر يؤول إلى أنه كأنه حللها له، فإذا قومت عليه كانت أمة له، وحل له وطؤها إذ لم يتقدم للابن فيها وطء، فإذا وطئ الأب جارية ابنه قبل أن يطأها الابن، ثم وطئها الابن بعد أن وطئها أبوه وجب أن تقوم على الأب للابن؛ لأنه أفسدها عليه بوطئه إياها أولا، ووجب أيضا أن تقوم على الابن للأب؛ لأنه أفسدها عليه بوطئه إياها آخرا، إذ لو لم يطأها لقومت على الأب وحلت له، ولم يكن لواحد منهما في ذلك خيار، ويتحاسبان في ذلك، فمن كان له فضل منهما على صاحبه رجع به عليه، وتباع على الابن الذي قومت عليه آخرا حين يحول أي حين يتبين أنه ليس بها حمل من أجل أنه لا يؤتمن عليها إذ قد وطئها، وهي حرمة له بما تقدم من وطء أبيه إياها كما قال أصبغ، فالمعنى في هذا أن ابن الماجشون تكلم على أن الابن قد كان وطئ جاريته قبل أن يطأها الأب، وتأول عليه أصبغ: أنه إذا تكلم على أن الابن لم يكن وطئ جاريته حتى وطئها الأب، ولذلك قال لا يعجبني قوله، ولكن يقوم على كل واحد منهما، ومما يصحح هذا الذي قلناه: أن ابن الماجشون قد قال في آخر المسألة مثل قول أصبغ إنها تقوم على كل واحد منهما، فيتحاسبان في القيمتين إذا وطئها الأب، ثم وطئها الابن في ذلك الطهر وهي له فاتت بولد وألحقته به القافة؛ لأن المعنى في ذلك أن الابن لم يكن تقدم له فيها وطء قبل الوطء يريد، وتعتق عليه إذ لا يستطيع وطأها أبدا لوطء أبيه إياها، وهو لا يملك منها إلا الوطء؛ لكونها أم ولد له، ولو كان الابن يطؤها وهي جاريته، ثم وطئها بعد ذلك في طهر واحد الأب، ثم الابن فأتت بولد وألحقته القافة بالابن لعتقت على الابن، ولم يكن على الأب فيها قيمة؛ لأن وطأه إياها بعد أن وطئها أبوه رضي منه بإسقاط القيمة عنه على ما قال في أول المسألة إذ لم تحمل حيث قال أصبغ: إنه قال: لا يعجبني قوله، وقد بينا أن قوله ليس بخلاف لقوله، وإن كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه صاحبه، ولو ألحقت القافة الولد بالأب الذي ليست الجارية له لكانت أم ولد له ولزمته فيها القيمة لابنه؛ لإفساده إياها عليه وعجل عليه عتقها، إذ لا سبيل له إلى وطئها سواء كان وطء الأب قبل الابن أو بعده، كان تقدم للابن فيها وطء أو لم يتقدم، وإنما يفترق ذلك إذا ألحقت القافة الولد بالابن حسبما بيناه.

.مسألة رجلين وطآ أمة في طهر واحد فحملت في ذلك الطهر فولدت ولدا ومات:

وسئل سحنون: عن رجلين وطآ أمة في طهر واحد، فحملت في ذلك الطهر فولدت ولدا، فمات ذلك الولد قبل أن تدعى له القافة، قال: تعتق الجارية منهما.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الجارية تعتق منهما صحيح؛ لأن الولد إذا مات قبل أن تدعى له القافة فيحمل محمل الاشتراك فيها وفي ولدها بمنزلة إذا قالت القافة إنهما اشتركا فيه، فيرثانه جميعا إن كان له مال وهب له، وتصير الأمة قد صارت في حكم أم ولد لهما جميعا فتعتق عليهما جميعا، إذ لا يحل لواحد منهما وطؤها بالملك أبدا، ولم يكن لهما فيها سوى ذلك، وهذا إذا أتت بالولد لأكثر من ستة أشهر من يوم وطئها الآخر، ولأقل من أقصى ما يلحق به الولد من يوم وطئها الأول، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها الآخر فهو للأول، والأمة أم ولد له، وعليه نصف قيمتها لشريكه إن كانت بينهما بنصفين، وإن أتت به لأكثر من أقصى ما يلحق به الولد من يوم وطئها الأول وذلك خمسة أعوام على المشهور من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فهو للثاني، والأول منه بريء فتكون أم ولد للثاني ويكون عليه نصف قيمتها للأول.

.مسألة رجل توفي وترك جاريته وابنين من غيرها ثم ظهر بالجارية حمل:

قيل لسحنون: فرجل توفي وترك جاريته وابنين من غيرها، ثم ظهر بالجارية حمل بعد موت السيد، فولدت بعد موته بمثل ما يكون لغيره، فادعى أحد الأخوين أنه وطئ الجارية، وأن هذا الولد منه، وادعى الآخر أن هذا الولد من أبيه الميت، وقال: هو أخونا. قال سحنون: إن كان سيدها الميت كان يطؤها، فالولد يلحق بالسيد، ولا يقبل قول الأخ الذي قال: هو ولدي، وإن كان السيد لم يكن يطؤها، فالولد يلحق بهذا الأخ المدعي له، ولا يقبل قول أخيه الذي قال: هو من أبي، وعلى الواطئ أن يغرم لأخيه نصف قيمتها، وإن شكوا فلم يدروا أن أباهم كان يطأ أو لا يطأ، فالقول في ذلك قول المدعي للولد، وعليه نصف القيمة لأخيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه إذا علم أن سيدها الميت كان يطؤها، فالولد له ولا يقبل دعوى المدعي فيه؛ لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» لأن فراش السيد الميت صحيح، والمدعي يدعي الولد بوطء غير صحيح إلا أن له فيه شبهة يدرأ الحد عنه بها، وهذا إذا أتت بالولد لما يلحق الأنساب من الميت، فإذا أتت به لأكثر من ذلك، فهو للمدعي وعليه نصف القيمة لأخيه، وأما إن كان السيد الميت لا يطأ أو جهل حاله، فيلحق الولد بالمدعي كما قال، إذ لا يجوز أن يلحق بالميت ولو لم يقر به، ولا علم أن أمه كانت فراشا له.

.مسألة جارية بين رجلين تسور عليها أحدهما فأولدها:

وسئل سحنون: عن جارية بين رجلين تسور عليها أحدهما فأولدها، فقال الشريك غير الواطئ: قد كنت أعتقت مصابتي منها قبل أن يطأها، فصدقه الواطئ وقال: قد كان أعتقها قبل ذلك، هل تعتق عليهما جميعا؟ أم تكون أم ولد للواطئ، وعليه نصف قيمتها لشريكه؟ قال سحنون: تعتق عليهما جميعا ولا يكون على الواطئ شيء، ويلحق به النسب، وعليه الأدب إلا أن يعذر بالجهالة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الشريك لما قال: إنه أعتق حظه قبل وطء شريكه، فقد أقر أنه لا شيء له على الواطئ في وطئه الأمة وإيلادها، وقد كان للواطئ أن لا يصدقه فيما ادعى من عتق حظه قبل ذلك لما يوجبه له الحكم من أن تقوم عليه الجارية، فتكون أم ولد له، فلما صدقه لم يكن له إلى التقويم سبيل، وأعتق عليه حظه في الأمة إذ لا يستطيع أن يطأها، ونصفها أم ولد له، ونصفها حر، ولو لم يصدقه لم يصدق؛ لأنه إنما أراد أن يفسدها عليه وقومت عليه فصارت أم ولد له، إلا أن لا يكون له مال فيصدق الشريك في أنه قد كان أعتق حظه، ويعتق أيضا نصيب الواطئ؛ لأنه إنما كان له فيها الاستمتاع، فقد انقطع ذلك بعتق شريكه حظه، قال هذا ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق، وهو تتميم لقول سحنون هنا، وإذا قوم عليه نصيب شريكه على قوله، فتكون القيمة موقوفة لا يأخذها إلا أن يكذب نفسه.
وقول سحنون: ولا يكون على الواطئ شيء يريد لشريكه لا في الولد، ولا في الأمة إذ قد أقر أنها حرة من قبل أن يطأها، ولا للأمة في وطئه إياها إن كانت طاوعته في ذلك، وإن كان استكرهها كان عليه نصف ما نقص ذلك من ثمنها إن نقص، قال ذلك في كتاب القذف من المدونة وغيره، واختلف قول ابن القاسم في عكس هذه المسألة، وهي الأمة تكون بين الرجلين، ولها ولد هو بينهما فيعتق أحدهما نصيبه من الأمة، ويستلحق الأخر الولد، فقال ابن القاسم في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب العتق: يلحق به الولد، ويكون عليه نصف قيمته لصاحبه، ويعتق نصيبه في الأمة إذ لا سبيل له إلى وطئها وبعضها حر، وقال في كتاب ابن حبيب: لا قيمة عليه في الولد ولا في الأمة؛ لأن إقراره بأن الولد له لو علم منه قبل العتق لم يكن عليه في الولد قيمة، وإنما كانت تكون عليه نصف قيمة الأمة، فلما لم يعلم ذلك منه إلا بعد العتق سقطت عنه القيمة في الأمة وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يموت ويقول جاريتي حامل وتقول الجارية ما أنا بحامل:

وسئل سحنون: عن الرجل يموت ويقول: جاريتي حامل، وتقول الجارية: ما أنا بحامل، هل يقبل قولها؟ قال: تستبرأ إن كانت حاملا، قيل له: فإن جاءت بولد بعدما استبرئت؟ فقال: إن جاءت بولد بعد موت سيدها لخمس سنين فهو للسيد؛ لأنه أقر أن ماءه فيها ما لم تتزوج، فإن تزوجت، فأتت بولد لستة أشهر فأكثر فهو للزوج، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر بعدما تزوجت فهو للسيد.
قال محمد بن رشد: قوله تستبرأ يريد بحيضة؛ لأنها من الإماء، فإن حاضت لم تمنع من النكاح، وكذلك إن لم تحض فبقيت ثلاثة أشهر، ولم تظهر بها ريبة ولا حمل، أو تسعة أشهر على اختلاف قول مالك في ذلك لا المدونة وغيرها، وقد مضى القول فيه في رسم استأذن من سماع عيسى، ورسم الدور والمزارع من سماع يحيى، فإن لم تتزوج، وأتت بولد لحق بالسيد إلى ما تلحق به الأنساب، وإن أقرت أنه ليس منه، وإن كان ذلك بعد الاستبراء إذ قد ترى المرأة الدم على الحمل، وقد يضعف الولد في البطن، فلا تتبين المدة الطويلة، وهذا ما لا اختلاف فيه، إذ قد أقر السيد أنها حامل منه، ولو لم يقر السيد بذلك، ولا ادعاه إلا أنه علم أنه كان يطؤها فأقرت أنها حاضت، واستبرأت نفسها، وأنه لا حمل بها ثم أتت بعد ذلك بولد لما يلحق به الأنساب، فادعت أنه من سيدها لجرى ذلك على الاختلاف في التي تطلق أو يتوفى عنها زوجها، فتقر بانقضاء عدتها على وجهها، وأنه لا حمل بها مدة ثم يظهر بها حمل، فتريد أن تلحقه بزوجها فيما دون الخمسة الأعوام، فقيل ذلك لها، وهو الذي في كتاب طلاق السنة من المدونة، وقيل: ليس ذلك لها، وتحد ولا يلحق الولد بالزوج إذا جاء من ذلك الأمر البين، مثل أن تعتد في الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحيض حيضة، وتقيم اثني عشر شهرا ونحوها لا حمل بها، ثم تأتي بحمل، وتزعم أنه من زوجها، وهو قول ابن دينار وعيسى عن ابن القاسم في المدنية.

.مسألة اشترى جارية فأولدها ثم استحقها رجل فدفعها إليه الذي أولدها:

وسئل سحنون: عن رجل اشترى جارية، فأولدها ثم استحقها رجل، فدفعها إليه الذي أولدها، ثم اشتراها منه بعد ذلك، هل تكون الجارية عنده أم ولد، أم لا حتى يولدها بعد الاستبراء؟ فقال: إن كان دفعها إليه بقضاء قاض، ثم استبرأها فإنها لا تكون له أم ولد حتى يولدها فيما يستقبل، وإن كان دفعها إليه صلحا منه على غير قضاء قاض، ثم اشتراها فإنها تكون عنده أم ولد بملكه الأول حين أولدها فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنها قد وجبت لها حرمة الإيلاد، فوجب أن لا ينقض إلا بحكم حاكم؛ لأنه يتهم على إبطال ما وجب لها من الحرمة بأن يصدق المستحق لها فيما ادعاه من الباطل، ويعمل معه على أن يشتريها منه لينقض بذلك حرمتها، وذلك ما لا يجوز له، وبالله التوفيق.

.مسألة الجارية تواضع للاستبراء فيذهب الثمن في أيام الاستبراء:

وسئل عن الجارية تواضع للاستبراء فيذهب الثمن في أيام الاستبراء، وتخرج هي وبها عيب أو تموت، فقال: أشهب وابن القاسم يقولان: إن أحب أخذها، أخذها بالثمن التالف ولم يكن عليه غيره، وزعم غيرهما: أن ذلك ليس له إلا أن يغرم الثمن، وقد قيل أيضا: إن البيع يفسخ، وذكر مالك أن الثمن من المبتاع.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم مستوفى فلا معنى لإعادته مرة أخرى هنا.

.مسألة ابتعت جارية بيع المسلمين وعهدتهم ثم بعتها بالبراءة فهل ترد علي هذا البيع:

قال سحنون: بلغني أن مالكا سئل فقيل له: إني ابتعت جارية بيع المسلمين وعهدتهم، ثم بعتها بالبراءة، فهل ترد علي هذا البيع؟ فقال: لا ترد عليه، ولكنني أكرهه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع أشهب في أوله وأخره من كتاب العيوب، فهو موضعها لمن أحب الوقوف عليها.

.مسألة الرجل يشتري الجارية فيتواضعها للاستبراء:

وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية فيتواضعها للاستبراء، فقال البائع: هلم الثمن، فواضعه على يدي رجل، فقال مالك: ليس ذلك عليه، وإنما يدفع الثمن إذا وجبت له الجارية.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في أول رسم من سماع ابن القاسم، ومضى هناك من القول عليها ما فيه كفاية لمن أحب الوقوف عليها.

.مسألة يشتري الجارية ويقول لبائعها أحبسها عندك حتى أعطيك الثمن:

قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يشتري الجارية من الرجل، فيقول لبائعها: أحبسها عندك حتى أعطيك الثمن أو كان البائع نفسه هو الذي أبى أن يدفعها إلى المبتاع حتى يقبض الثمن، ثم وطئها البائع فحملت منه، فقال ابن القاسم: إذا كان البائع هو الذي احتبسها حتى يقبض الثمن ثم وطئها البائع فحملت منه فلا حد عليه للشبهة التي فيها، ويأخذ المشتري جاريته، ويكون على البائع قيمة الولد، وإن كان البائع هو الذي أمكنه منها فاقرها مشتريها عنده فوطئها البائع بعد استبراء رحمها، فأرى أن يحد على كل حال، وهو رأيي، وإن كان لم يستبر رحمها، وقد كان يطؤها رأيت أن يدرأ عنه الحد؛ لأني لا أدري لعل هذا الحمل قد كان قبل ذلك الوطء، ورأيتها أم ولد له، ويعاقب عقوبة موجعة، ورواها أصبغ عن ابن القاسم، قال سحنون: وإن كانت من وخش الرقيق ومنعه البائع قبضها حتى يأتيه بالثمن، فوطئها البائع فأولدها كانت له أم ولد؛ لأن مصيبها كانت منه، وعتقه فيها جائز إذا احتبسها للثمن، وكذلك يقول جميع أصحابنا إن المصيبة منه إلا ابن القاسم وحده كان يقول: هي من المشتري، وإن كان تركها عنده المبتاع على وجه الوديعة، ولم يمنع من قبضها فإن الحد عليه، ولا يلحق به الولد؛ لأن مصيبتها من المبتاع.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الأمة المبيعة إن بقيت بيد البائع، فوطئها بعد البيع قبل الاستبراء وقد كان المبتاع ائتمنه على استبرائها، وهي ممن تجب مواضعتها لرفعتها، ولأن البائع كان يطؤها، فإنها تكون أم ولد له ويبطل البيع، وإن كان وطؤه إياها بعد أن استبرأها بائتمان المبتاع له على استبرائها، أو كانت من وخش الرقيق التي لا مواضعة فيها، وقد انتقد فإنه يحد، ولا يلحق به الولد، وتكون الأمة وولدها للمبتاع، واختلف إن كان لم ينتقد، فوطئها وهي عنده محبوسة بالثمن، فقال ابن القاسم: يدرأ عنه الحد بالشبهة، ويأخذ المشتري جاريته، ويكون على البائع قيمة الولد، وقال سحنون: تكون أم ولد له ويبطل البيع، وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب العيوب تحصيل الاختلاف فيما تدخل به السلعة المبيعة في ضمان المبتاع كانت محبوسة بالثمن أو لم تكن، فلا معنى لإعادته هنا.

.مسألة بيع أم ولد العبد الحامل:

من سماع أصبغ بن الفرج قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في أم ولد العبد تكون حاملا: إنها لا تباع لغرمائه حتى تضع ما في بطنها؛ لأن ما في بطنها مال من مال سيده، ولا يجوز بيعها، ولا استثناؤها وإن العبد، وإن لم يكن عليه دين إذا أذن له سيده في بيعها باعها، وإن كانت حاملا، وقال أصبغ: وقال: وإن علم السيد بالحمل أو لم يعلم إذا أذن له بالبيع منهما فهو إذن، وهو جائز، وهو البيع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن أم ولد العبد إذا كانت لا تباع لغرمائه حتى تضع ما في بطنها يريد إلا بإذن السيد، وكذلك لا يبيعها هو في دينه إذا كانت حاملا إلا بإذن سيده الذي الحمل له؛ لأن ولده من أمته، ومن أم ولده ملك لسيده بمنزلة من لا ملك له، وإذا لم تكن حاملا جاز له أن يبيعها في دينه بغير إذن سيده، قاله في المدونة، فإن فعل، ثم ظهر أنها كانت حاملا كان للسيد أن يفسخ البيع، قاله بعض شيوخ صقلية، وقال بعضهم ليس ذلك له؛ لأن البيع وقع بأمر جائز، فلا يرد، والبيع الأول هو الصحيح؛ لأن الحمل الذي ظهر بها ملك للسيد، فلا يمضي بيعه في دين العبد إلا برضاه، فعلى هذا لابد في بيعها من المواضعة رفيعة كانت أو وضيعة؛ لأنه متى ظهر بها حمل كان للسيد فسخ البيع، وعلى القول الثاني لا مواضعة فيها إلا أن تكون رفيعة؛ لأنه إذا لم يكن للسيد فسخ البيع إن ظهر بها حمل صار حكمها حكم من باع أمة لم يطأها؛ لأن الحمل فيها عيب بها يكون المبتاع بالخيار بين أن يأخذ أو يرد، وليس له أن يبيعها في غير الدين إلا بإذن سيده، قاله في المدونة أيضا، قيل مراعاة لقول من يقول: إنها تكون أم ولد له إذا أعتق على أصل قول مالك في أن العبد إذا ملك ابنه لم يكن له أن يبيعه إلا بإذن سيده من أجل أنه يعتق عليه إن عتق، وقيل: مخافة أن تكون حاملا، والأول أظهر، وهو الصحيح؛ لأنه لا يبيعها حتى يستبريها، فإن باعها قبل أن يستبريها فلابد فيها من المواضعة، فإن ألفيت حاملا كان للسيد فسخ البيع، ألا ترى أنه يجوز له أن يبيع أمته، وإن كان يطؤها دون إذن السيد، إذ لابد فيها من المواضعة من أجل حق السيد في ولدها إن لم يسبرها قبل البيع، وإن أذن له السيد في أن يبيع أم ولده، أو أمة له كان يطؤها جاز ذلك عليه ولزمه، وإن ظهر بها حمل لم يكن علم به على ما قاله أصبغ في هذه الرواية، والوجه في ذلك أنها محمولة على أنها حامل؛ لأن جل النساء على الحمل كما قال مالك، فإذا أذن له في بيعها، فقد ترك حقه في الولد للمشتري إن ظهر بها حمل، فإن ردها المشتري بعيب حملها، فعلى القول بأن الرد بالعيب نقض بيع يكون الولد للسيد على ما كان، وعلى القول بأنه ابتداء بيع يكون الولد للعبد، وتباع عليه في الدين، وإن لم يكن عليه دين لم يكن له أن يبيعه إلا بإذن سيده على ما قال في المدونة في العبد يشتري ولده، فإن باع أم ولده بغير إذن سيده مضى البيع، ولم يرد، روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وهو صحيح؛ لأن مراعاة الخلاف إنما يكون في الابتداء دون الانتهاء، ولو باع ولده في غير الدين بغير إذن سيده لوجب أن يرد البيع إذ لا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا أعتق.

.مسألة يطأ الجارية ثم يبيعها فيطؤها المشتري في ذلك الطهر قبل أن يستبرئها:

قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يطأ الجارية، ثم يبيعها فيطؤها المشتري في ذلك الطهر قبل أن يستبرئها، فيظهر بها حمل فتموت قبل أن تضع ممن هي؟ قال ابن القاسم: إذا ظهر بها حمل، ثم ماتت قبل أن تضع فمصيبتها من البائع، وسواء طاولها في ذلك حملها، أو لم يطاولها إذا ماتت قبل أن تضع، ويرجع المبتاع في ماله، فيأخذه ويعاقبه في فعله إلا أن يعذر بالجهالة.
قلت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري؟ قال فمصيبتها أيضا من البائع كان سقطا، أو تماما أو حيا أو ميتا، والولد ولده، وهي أم ولد له، فإن وضعته لستة أشهر من يوم وطئها المبتاع أو مقدار نقصانها بالأهلة فصاعدا تقارب الوطآن في ذلك أو لم يتقاربا أو وطئ هذا اليوم وهذا غدا، فهي من المبتاع، وهي أم ولده، والولد منه إذا وضعته سقطا كان أو تماما إذا كان ميتا، ولا أرى القافة في الأموات ولا أراهم يعرفون ذلك ولا أراهم، وإن وضعته حيا لستة أشهر من يوم وطئ الآخر فصاعدا دعي له القافة، فمن ألحقوه به منهما الحق به، وكان ولده ينسب إليه، وكانت أمه أم ولد منه وعوقبا إلا أن يعذرا بالجهالة.
قلت: فإن قالت القافة: اشتركا فيه ما يكون حالها؟ قال ابن القاسم: إذا قالت القافة: اشتركا فيه عتقت عليهما جميعا ساعتئذ مكانها؛ لأنهما قد اشتركا فيها جميعا وفي ولدها، فصارت أم ولدهما جميعا، فلا يحل وطؤها لواحد منهما بملك أبدا، وإنما كان فيها الاستمتاع فقد انقطعت المتعة فيها عنهما، فلا توقف عليهما وهي حرة ساعتئذ، وأما الولد فيترك حتى يبلغ فيوالي من شاء.
قلت: فإن مات الصبي قبل أن يبلغ، فيوالي من شاء من يرثه؟ قال: يرثانه جميعا؛ لأنهما جميعا أبواه أبدا لشركتهما فيه حتى يبلغ فتتبع فيه قضية عمر بن الخطاب وسنته، فيوالي من شاء فينسب إليه ويوارثه دون الآخر.
قلت: فإن مات الأبوان جميعا قبل أن يبلغ؟ قال: يوقف له ميراثه منهما جميعا حتى يبلغ فيوالي من شاء منهما، فيرثه وينتسب إليه دون الآخر، ويرد ما وقف له من ميراث الآخر إلى ورثته.
قلت: فإن مات أحدهما قال كذلك أيضا يوقف له ميراثه منه حتى يبلغ، فإن والى الميت أخذ ميراثه منه، وإن والى الحي رد ميراث الميت إلى ورثته.
قلت: فإن مات الصبي بعد موت أحدهما، وقد وقف له ميراثه منه، والأب الآخر حي؟ قال: فميراث الصبي للأب الباقي، وليس للأب الميت، ولا لورثته منه شيء، ويرد ما كان وقف للصبي من ميراث الأب الميت إلى ورثة الميت، ولا يجب للصبي بموته حتى يرثه الأب الباقي، فيكون هذا الحي قد ورث الميت الأول، فهذا لا يكون، ولو رأيت أن ميراث الأول يجب للصبي إذا مات لأدخلت ورثة الميت الأول مع الأب الباقي في ميراث الصبي، فورثوه جميعا، فهذا ليس بشيء، هذا والذي لا شك فيه أن ميراث الصبي إذا مات بعد موت أحدهما للباقي وحده لا شرك معه فيه لأحد إلا الأم وحدها.
قلت: أرأيت إن مات الأبوان جميعا، ثم مات الصبي؟ قال ابن القاسم: إذا ماتا جميعا، فوقف له ميراثه منهما جميعا حتى يبلغ الصبي، فإن مات قبل أن يبلغ رد ميراثهما إلى من ورثهما دونه، ولم يجب للصبي منه شيء بموته بمنزلة موته بعد موت أحدهما، وكان ميراث الصبي لمن يرثه من قبل الأبوين جميعا؛ لأقعد الناس به من ورثتهما جميعا لكل قوم نصف الميراث في رأي يقتسمونه على الفرائض على قعددهم بالصبي على سهام الميراث بينهم.
قيل لعيسى بن دينار: فمن ينفق على هذا الصبي ويكسوه حتى يبلغ حد الموالاة؟ فقال الأبوان جميعا، قيل له: فإذا بلغ فوالى أحدهما هل يغرم لصاحبه الذي لم يواله ما أنفق عليه؟ قال: لا.
قال أصبغ: النفقة على المشتري حتى يبلغ، فإن والاه فبسبيل ذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في أول هذه المسألة إن الرجل إذا وطئ الجارية، ثم باعها فوطئها المشتري في ذلك الطهر قبل الاستبراء فظهر بها حمل، فماتت قبل أن تضع إن مصيبتها من البائع طاولها حملها أو لم يطاولها، ويرجع المبتاع في ماله فيأخذه معناه ما بينه وبين ما يلحق به الأنساب؛ لأن الحمل إن تطاول بها أكثر من خمسة أعوام، ثم ماتت فمصيبتها من المبتاع إذ قد علم أن الحمل ليس من البائع؛ وكذلك إن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري حيا أو ميتا تاما أو ناقصا، فمصيبتها من البائع أيضا، والولد ولده، وهي أم ولده؛ لأنه إن كانت وضعته تاما حيا أو ميتا، فالمشتري بريء منه، إذ لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر، وإن كانت وضعته ناقصا، وأمكن أن يكون من المشتري فهو محمول على أنه من البائع؛ لأنه باعها ورحمها مشغول بمائه فالولد له، وهي باقية على ضمانه حتى يعلم خلاف ذلك، وأما إن وضعته لستة أشهر أو مقدار ما ينقص بالأهلة من يوم وطئها المبتاع إن افترق وطؤها تقارب الوطآن أو لم يتقاربا أو من يوم وطآها إن كان وطؤهما إياها في يوم واحد، وهو ميت أو سقط، فقال في الرواية: إنها من المبتاع، والولد منه، وهي أم ولد له، وقال يحيى بن سعيد في المدونة: إنها تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يحمل الولد على أنه من البائع، وتكون الأمة أم ولد له؛ لأنه باعها وماؤه فيها، فالضمان منه لا ينتقل عنه إلا بيقين، وليس وضعها إياه لستة أشهر مما يحقق أنه من المشتري، وأما إن وضعته حيا لستة أشهر أو مقدار نقصها بالأهلة، فتدعى له القافة، وقد قيل: إنه لا تدعى له القافة إلا أن تضعه لستة أشهر كاملة فأكثر، فإن نقص من ذلك يسيرا، أو أكثر فهو من البائع، والأشبه أن لا يعتبر نقصان اليوم واليومين في ستة أشهر، ألا ترى لو تزوج رجل امرأة، فأتت بولد بعد دخوله بها بستة أشهر إلا يوما أو يومين لم يصح أن تحد.
وتحصيل القول في هذه المسألة: أن المشتري إذ وطئ الأمة التي اشتراها قبل الاستبراء فحملت وماتت قبل أن تضع فمصيبتها منه إلا أن يكون البائع يطؤها إلى أن باعها، فتكون مصيبتها منه وينقض البيع، فإن لم تمت ووضعته لأقل من ستة أشهر، والبائع يطأ فالولد ولده والأمة أم ولده، سقطا كان الولد أو تماما، حيا كان أو ميتا، وإن لم يكن البائع يطأ، فالولد ولد الأمة لا أب له، والمشتري بالخيار إن شاء أن يأخذ، وإن شاء رد إلا أن تكون وضعته سقطا يشبه أن يكون من المشتري، فيكون منه، وتكون الأمة أم ولد له، وإن وضعته لستة أشهر فأكثر والبائع يطأ، وولدته حيا دعي له القافة، فمن ألحقوه به منهما ألحق به، وكانت الأمة أم ولد له، إلا أن يدعيا الولد جميعا، فتعتق الأمة عليهما ويرجع المشتري بنصف الثمن على البائع، واختلف إن وضعته ميتا أو سقطا، فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنه من المبتاع، وإن الأمة أم ولد له، وقال يحيى بن سعيد في المدونة تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يلحق الولد بالبائع، وتكون الأمة أم ولد له، وقد قيل: إنه يلحق بالبائع، وتكون الأمة أم ولد له، وإن ولدته حيا ولا تدعى له القافة؛ لأن فراش الأول صحيح، وفراش الثاني فاسد، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وقد أجمعوا لهذا الحديث أن الزوجين إذا وطآ المرأة في طهر واحد أن الولد للأول، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر لصحة فراشه، ولا فرق بين الموضعين في القياس.
وإن لم يكن البائع يطأ، فالأمة أم ولد للمبتاع وولدها لاحق به، وقد مضى في أول نوازل سحنون القول مستوفى في الحكم في ميراثه منهما وميراثهما منه إذا أتت به حيا لأكثر من ستة أشهر، وقالت القافة: إنهما اشتركا فيه في الجارية بين الشريكين، ولا فرق في هذا بين المسألتين، فلا معنى لإعادة القول في ذلك، وأما كسوته والنفقة عليه إلى أن يبلغ حد الموالاة إذا قالت القافة: إنهما اشتركا فيه فقول عيسى بن دينار أنهما ينفقان عليه جميعا، فإذا مات أحدهما أنفق على الصبي مما وقف له من ميراثه منه نصف نفقته ونصفها على الحي، وقيل لا ينفق عليه منه؛ لأنه إنما يأخذه بعد الموالاة، وهو الذي يأتي أيضا على قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الدعوى، والصلح في العبد الذي يدعيه الرجلان فيوقف إن النفقة عليهما جميعا، وهذا إذا ادعياه جميعا أو أنكراه جميعا أو لم يدعه واحد منهما، ولا أنكره وقال: لا أدري إن كان لي أم لا، وأما إن ادعاه أحدهما، وأنكره الآخر، فالذي يأتي على مذهب من قال بالموالاة، ولم يعمل قول القافة إنهما اشتركا فيه أن تكون النفقة على الذي يدعيه منهما إلى أن يبلغ حد الموالاة، فيوالي من أحب منهما فيلحق به، وإن كان الذي أنكره فتكون النفقة عليه من حينئذ، وأما على مذهب من أعمل قول القافة إنهما اشتركا فيه، ورأى أنه يصح أن يكون علوق المرأة بالولد من الرجلين، ولم يقل بالموالاة، فالنفقة عليهما جميعا، وإن كان أحدهما مقرا به والآخر منكرا له.
وقول عيسى: إنه لا يرجع الذي لم يواله على الذي والاه بشيء من النفقة بخلاف المدعيين في العبد يوقف، فينفقان عليه جميعا، ثم يقضى به لأحدهما، ووجهه أن القضاء بالموالاة ليس بأمر متفق عليه، وإنما هو استحسان على غير قياس، واتباع لما جاء عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في ذلك.
وأما قول أصبغ إن النفقة على المشتري حتى يبلغ، فإن والاه فبسبيل ذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة، فقاله على أصله في العبد يدعيه الرجل، فيوقف بما يجب توقيفه به أن النفقة على الذي هو بيده حتى يقضى به للطالب، فإن قضي له به رجع عليه بالنفقة، ولو قيل في هذه المسألة: إن النفقة على البائع ما لم يوال المشتري فيحكم بإلحاقه به مراعاة لقول من قال: إن الولد يلحق بالبائع على كل حال لصحة فراشه ولا يدعى للولد القافة على ما تقدم لكان أشبه من قول أصبغ.